الأخبار المحلية

تأشيرة البرهان… حرج كان يمكن تفاديه. و الدبلوماسية الهادئة بديلا للمواجهة

بقلم السفير الصادق المقلي

( A )

قبل نحو أسبوع من ظهور خبر رويترز عن امتناع الولايات المتحدة عن إصدار تأشيرة الدخول له، كنت قد كتبت أنني أقرأ المشهد الأمريكي باعتباره يتجه إلى تضييق مساحة الحركة أمام رئيس مجلس السيادة، وأن احتمال أن تتحول قضية مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مشكلة دبلوماسية لا ينبغي أن يكون مفاجئاً للدوائر المعنية في الخرطوم.
لم تكن تلك القراءة مبنية على معلومة بأن التأشيرة سترفض، وإنما على قراءة لتراكم المواقف والإجراءات الأمريكية تجاه السودان، وعلى وجه الخصوص تجاه قيادات طرفي الحرب. ولذلك كان السؤال الذي طرحته آنذاك هو: هل جرى إعداد البدائل الدبلوماسية تحسباً لاحتمال عدم تمكن البرهان من السفر إلى نيويورك؟
ثم جاءت التطورات بعد ذلك بأيام لتجعل السؤال أكثر إلحاحاً.
ففي 22 سبتمبر 2026 أفادت رويترز بأن الولايات المتحدة تحجب تأشيرة دخول البرهان، وأن مصادر سودانية وغربية ربطت الأمر بموقف واشنطن من مقترح هدنة لمدة 90 يوماً. كما طلب السفير السوداني لدى الأمم المتحدة تدخل الأمين العام للمنظمة، فيما أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من عدم إصدار التأشيرة.
وبغض النظر عن التفسير النهائي للقرار الأمريكي، فإن ما حدث يؤكد أن احتمال تعقّد سفر البرهان كان يستحق أن يكون ضمن حسابات وزارة الخارجية ومستشاري القيادة منذ وقت مبكر.
وهنا أصل إلى السؤال الأهم في هذه القضية: هل كان يمكن للجانب السوداني أن يتوقع هذا الاحتمال، وأن يديره بصورة أفضل قبل الوصول إلى هذه اللحظة؟
في تقديري، نعم.
فما حدث لم يأتِ من فراغ. وإذا عدنا إلى مسار السياسة الأمريكية تجاه السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، سنجد سلسلة طويلة من العقوبات والإجراءات والرسائل السياسية التي كان ينبغي أن تكون، بالنسبة لوزارة الخارجية ومستشاري القيادة، مؤشرات تستحق بناء السيناريوهات عليها.
العقوبات لم تبدأ بالبرهان
في 4 مايو 2023 أصدرت الإدارة الأمريكية الأمر التنفيذي 14098، الذي وضع إطاراً للعقوبات على الأشخاص والكيانات التي تهدد السلام والأمن والاستقرار في السودان أو تقوض مسار الانتقال الديمقراطي.
وفي 1 يونيو 2023 استهدفت الولايات المتحدة شركات وكيانات مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب قيود على التأشيرات.
ثم توالت الإجراءات:
6 سبتمبر 2023: عقوبات على عبد الرحيم حمدان دقلو، أحد كبار قادة قوات الدعم السريع.
28 سبتمبر 2023: توسيع دائرة العقوبات على أشخاص وكيانات اعتبرتها واشنطن مرتبطة بزعزعة الاستقرار وتقويض جهود السلام.
4 ديسمبر 2023: عقوبات إضافية على أشخاص اتهمتهم الولايات المتحدة بتقويض السلام والأمن والاستقرار في السودان.
31 يناير 2024: عقوبات على ثلاث جهات قالت واشنطن إنها مرتبطة بتمويل الحرب.
15 مايو 2024: عقوبات على قائدي الدعم السريع عثمان محمد حامد وعلي يعقوب جبر الله، على خلفية العمليات العسكرية في دارفور.
8 أكتوبر 2024: عقوبات على مسؤول في قوات الدعم السريع مرتبط بعمليات المشتريات.
24 أكتوبر 2024: عقوبات على الفريق ميرغني إدريس سليمان، مدير منظومة الصناعات الدفاعية المرتبطة بالمؤسسة الدفاعية للقوات المسلحة.
12 نوفمبر 2024: عقوبات على قائد الدعم السريع عبد الرحمن جمعة برك الله.
ثم جاءت 7 يناير 2025، عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» وشبكة مرتبطة به.
وبعد أسبوع واحد فقط، في 16 يناير 2025، انتقلت العقوبات إلى رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى جانب شركة وشخص مرتبطين بعمليات شراء الأسلحة لمنظومة الصناعات الدفاعية.
وهنا كان ينبغي، في تقديري، أن ترتفع درجة الانتباه الدبلوماسي إلى أعلى مستوياتها. فالعقوبات لم تعد تستهدف شخصيات وكيانات مرتبطة بأحد طرفي الحرب فقط، وإنما وصلت إلى رأس القيادة العسكرية والسياسية للقوات المسلحة السودانية.
ثم جاءت عقوبات د. جبريل إبراهيم
وفي 12 سبتمبر 2025، اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية خطوة أخرى عندما فرضت عقوبات على وزير المالية السوداني ورئيس حركة العدل والمساواة الدكتور جبريل إبراهيم، إلى جانب كتيبة البراء بن مالك.
و قد حرمت العقوبات د جبريل وزير المالية من المشاركة في كافة اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي..

وهذه نقطة مهمة في سياق هذه القراءة: فالعقوبات بدأت تؤثر بصورة مباشرة على قدرة مسؤولين سودانيين على التحرك والمشاركة في مؤسسات وفعاليات دولية تستضيفها الولايات المتحدة.
إذا كان وزير المالية قد أصبح غير قادر عملياً على السفر إلى واشنطن للمشاركة في اجتماعات مالية دولية بسبب العقوبات، وإذا كان قائد الجيش نفسه قد أصبح تحت العقوبات الأمريكية، وإذا كانت قيادات أخرى من طرفي الحرب قد سبقتها إلى قوائم العقوبات، فهل كان من الواقعي افتراض أن سفر رئيس مجلس السيادة إلى نيويورك سيكون أمراً مضموناً؟
لا يعني ذلك أن قرار التأشيرة الحالي كان حتمياً، ولا أن الولايات المتحدة كانت ستتخذ القرار نفسه في كل الأحوال. لكنه يعني، في تقديري، أن احتمال حدوث أزمة تأشيرة كان يجب أن يدخل مبكراً في حسابات التخطيط الدبلوماسي السوداني.
الإشارات كانت تتراكم
وفي 2025 اتخذت واشنطن أيضاً إجراءات أخرى تجاه السودان على خلفية اتهاماتها المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، إلى جانب استمرار العقوبات على شبكات مرتبطة بالتجنيد والتمويل والمشتريات خلال 2025 و2026.
وبذلك لم تعد القضية مجرد مجموعة قرارات منفصلة. كانت هناك سلسلة متراكمة من الإجراءات الأمريكية تجاه شخصيات وكيانات مرتبطة بالحرب، شملت قيادات من القوات المسلحة ومن قوات الدعم السريع، إضافة إلى مسؤولين وكيانات أخرى.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى